ابراهيم بن عمر البقاعي

267

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

أنه صلّى اللّه عليه وسلّم في الحضرة بعد بيان بعدهم - : انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ أي يتعمدون عَلَى اللَّهِ أي الذي لا يخفي عليه شيء ولا يعجزه شيء الْكَذِبَ أي من غير خوف منهم لذلك عاقبة وَكَفى أي والحال أنه كفي بِهِ أي بهذا الكذب إِثْماً مُبِيناً * أي واضحا في نفسه ومناديا عليها بالبطلان . ولما عجب من كذبهم دلّ عليه بقوله : أَ لَمْ تَرَ وكان الأصل : إليهم ، ولكنه قال - لزيادة التقريع والتوبيخ والإعلام بأن كفرهم عناد لكونه عن علم - : إِلَى الَّذِينَ وعبر بإلى دلالة على بعدهم عن الحضرات الشريفة أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ أي الذي هو الكتاب في الحقيقة لكونه من اللّه يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وهو الصنم والكاهن والساحر والذي لا خير فيه وكل ما عبد من دون اللّه وَالطَّاغُوتِ وهو اللات والعزى والكاهن والشيطان وكل رأس ضلال والأصنام وكل ما عبد من دون اللّه ؛ وكل هذه المعاني تصح إرادتها هنا ، وهي مما نهي عنه في كتابهم - وأصله ومداره مجاوزة الحد عدوانا ، وهو واحد وقد يكون جمعا ، قال سبحانه وتعالى أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ [ البقرة : 257 ] والحال أن أقل نصيب من الكتاب كاف في النهي عن ذلك وتكفير فاعله . ولما دل على ضلالهم دل على إضلالهم بقوله - معبرا بصيغة المضارع دلالة على عدم توبتهم - : وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ودل بالتعبير بالإشارة دون الخطاب على أنهم يقولون ذلك فيهم حتى في غيبتهم ، حيث لا حامل لهم على القول إلا محض الكفر فقال : هؤُلاءِ أي الكفرة العابدون للأصنام أَهْدى أي أقوم في الهداية مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا أي أوقعوا هذه الحقيقة ، فيفهم ذمهم بالتفضيل على الذين يؤمنون ومن فوقهم من باب الأولى سَبِيلًا * مع أن في كتابهم من إبطال الشرك وهدمه وعيب مدانيه وذمه في غير موضع تأكيدا أكيدا وأمرا عظيما شديدا . ولما أنتج ذلك خزيهم قال : أُولئِكَ أي البعداء عن الحضرات الربانية الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ أي طردهم بجميع ما له من صفات الكمال طردا هم جديرون بأن يختصوا به . ولما كان قصدهم بهذا القول مناصرة المشركين لهم ، وكان التقدير : فنالوا بذلك اللعن الذل والصغار ، عطف عليه قوله : وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ أي الملك الذي له الأمر كله منهم ومن غيرهم فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً * أي في وقت من الأوقات أصلا ، وكرر التعبير بالاسم الأعظم لأن المقام يقتضيه إشعارا لتناهي الكفر الذي هو أعظم المعاصي بتناهي الغضب . ولما كان التقدير : كذلك كان من إلزامهم الذل والصغار ، عطف عليه قوله :